هشام جعيط

219

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

البصرة توسيعا عظيما فبناه بالآجر والجبس ، وغطى السقف بالخشب الثمين « 1 » . وبعد أن نقل موضع القصر من الدهناء إلى أن جعله ملاصقا للمسجد ، بناه كذلك بناء صلبا لكن باللبن فقط « 2 » . ولا يتحدث أي خبر موثوق به عن إعادة بناء قصر أو مسجد الكوفة بعد زياد ، واستمر الوضع كذلك حتى نهاية العصر الأموي . روى البراقي دون غيره أخبارا متأخرة وأكّد أن عبد الملك هدم القصر في سنة 71 ه . ( مما يثبت أنّ القصر كان موجودا ) ، وبنى قصرا آخر مكانه « 3 » واعتمد في قوله على الدياربكري « 4 » ، وعلى سبط ابن الجوزي « 5 » . تعرض الطبري « 6 » والبلاذري « 7 » مطولا لمقام عبد الملك في الكوفة ، ولم يذكرا ولو كلمة عن هذا الهدم الذي لا يصدق . وتؤيد الأمور الرأي القائل إن مسجد الكوفة وقصرها سواء بسواء كانا من عمل زياد ، وقد اتصفا بمظهر معماري متكامل حين شاهدهما الناس في القرن الثاني الهجري ( سيف مثلا ) « 8 » ، إلى أن بقيا في عصر متأخر على تلك الحال ، باستثناء القصر الذي تم ترميمه في العصر العباسي . والغريب أن ابن بطوطة قدم وصفا لقاعة الصلاة بمسجد الكوفة قريبة بصفة ملفتة للنظر مما قاله سيف بن عمر فتحدث عن سقف مرتفع يقوم مباشرة على الأعمدة « 9 » . وعلى هذا الأساس يجب التنويه بعمل زياد ، الذي اكتسى مظهرا مكتملا وعظيما ، وهذه ظاهرة ممتازة ولا سيما أنها وجدت في عصر الإسلام المبكّر . مسجد زياد على الرغم من اقتضاب قول البلاذري ، فقد تضمن عناصر أساسية تخص عمل زياد هي التوسيع وبناء حجرة الصلاة ، ورفع السقف على أعمدة عالية ، وأرض مغطاة بالحصى المعير ، وتشييد المقصورة « 10 » . وهكذا ، فقد تميّز مسجد الكوفة بالخاصيات الرئيسة المعروفة

--> ( 1 ) فتوح البلدان ، ص 342 . وقد روى عنه ياقوت ، معجم البلدان ، ج 1 ، ص 433 . ( 2 ) المرجع نفسه ، الصفحة نفسها ، وبنى الجسر بعد ذلك خلافا لما وقع بالكوفة . ( 3 ) البراقي ، ص 66 وما بعدها . ( 4 ) مات في 966 ه ، وألف تاريخ الخميس ، ج 2 ، ص 345 . ( 5 ) تذكرة الخواص ؛ أشار المسعودي في مروج الذهب ، ج 3 ، ص 312 ، لا إلى تهديم القصر بل إلى الطاق الذي كان يجلس تحته عبد الملك لا غير . ( 6 ) الطبري ، ج 6 ، ص 162 - 165 . ( 7 ) أنساب الأشراف ، ج 5 ، ص 350 - 354 . ( 8 ) تحدث سيف عن إعادة بناء المسجد من قبل زياد ، لا عن بناء القصر : الطبري ، ج 4 ، ص 46 . وقال بخصوص المسجد : « فلم يزل على ذلك حتى بني أزمان معاوية بن أبي سفيان بنيانه اليوم على يدي زياد » . والملاحظ أنه لم يتمكن من مشاهدة سقوف الفسيفساء المنسوبة إلى سعد ، خلافا لما قال ريتميير . Reitemeyer ( 9 ) رحلة ، طبعة بيروت 1960 ، ج 1 ، ص 219 ؛ ابن جبير ، رحلة ، ص 188 . ( 10 ) فتوح البلدان ، ص 276 . الملاحظ أن البلاذري لا يذكر ارتفاع السقوف . وإن تحدث عن جبال الأهواز -